السيد محمدمهدي بحر العلوم

170

الفوائد الرجالية

وقوع الخلل في ألفاظ حديثه - أحيانا - فان منشأه النقل بالمعنى وقد ثبت جوازه ، والغالب عدم تغيير المعنى بما يقع له من الخلل ، فلا يخرج حديثه عن الحجية نظرا إلى اشتراط الضبط . وما ذكره الشيخ في ( الاستبصار ) ( 1 ) محمول على منع العمل بما يختص به مع وجود المعارض كما يعلم مما قاله غيره ، وما ذكره في غيره ( 2 ) . عمار بن ياسر العنسي أبو اليقظان ، صحابي ابن صحابي ( 3 ) من السابقين الأولين الذين عذبوا

--> ( 1 ) يزيد ما ذكره في الاستبصار في باب السهو في صلاة المغرب من قوله - الذي ذكره آنفا - : ( إنه ضعيف فاسد المذهب لا يعمل على ما يختص بروايته ) . ( 2 ) أي وما ذكره الشيخ في غير الاستبصار من مصنفاته الفقهية ، ولزيادة الاطلاع راجع ما ذكره - سيدنا قدس سره - في ( ج 1 ص 407 ) من هذا الكتاب تحت عنوان ( بنو موسى ) مع تعليقاتنا هناك . ( 3 ) عمار - هذا - هو ابن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس - وهو زيد - بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان ، وبنو مالك بن أدد من مذحج ، هكذا نسبه ابن سعد في ( الطبقات الكبرى : ج 3 ص 246 ) طبع بيروت سنة 1377 ه‍ ، وعنه أخذ ابن حجر العسقلاني في ( تهذيب التهذيب : ج 7 ص 408 ) طبع حيدر آباد دكن ، ولكن إلى قوله ( بن عنس ) . وفضل عمار وشهرته تغنينا عن التوسع في أخباره ، غير أنا نقتصر على ما ذكره بعض أرباب المعاجم السنية مثل ابن سعد في ( الطبقات الكبرى ) وابن حجر في في ( الإصابة ) وفي ( تهذيب التهذيب ) وابن عبد البر في ( الاستيعاب ) والجزري في ( أسد الغابة ) ملخصين ما ذكروه . قالوا : أبو اليقظان مولى بني مخزوم ، وكان قدم ياسر بن عامر وأخواه الحارث ومالك إلى اليمن ، وأقام ياسر بمكة وحالف وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها ( سمية ) بنت خياط فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة ، فمن هنا هو - عمار - مولى لبني مخزوم وأبوه عدي لا يختلفون في ذلك ، وللحلف والولاء اللذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه ، ورغموا وكسروا ضلعا من أضلاعه ، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا : والله لئن مات لا قتلنا به أحدا غير عثمان . ولم يزل ياسر وعمار مع أبي حذيفة إلى أن مات ، وجاء الله بالإسلام فأسلم ياسر وسمية وعمار وأخوه عبد الله بن ياسر ، وكان لياسر ابن آخر أكبر من عمار وعبد الله يقال له : ( حريث ) قتلته بنو الديل في الجاهلية . كان عمار بن ياسر من المستضعفين الذين يعذبون بمكة ليرجع عن دينه ، والمستضعفون قوم لا عشائر لهم بمكة ، وليست لهم منعة ولا قوة ، فكانت قريش تعذبهم في الرمضاء بأنصاف النهار ليرجعوا عن دينهم ، وقد رؤي عمار متجردا في سراويل ، قال بعض من رآه : فنظرت إلى ظهره فيه حبط كثير ، فقلت ما هذا ؟ قال : هذا مما كانت تعذبني به قريش في رمضاء مكة . قال الراوي : أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يمر به ويمر يده على رأسه فيقول : ( يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم ، تقتلك الفئة الباغية ) . ومر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - يوما - - بآل عمار - وهم يعذبون ، فقال لهم : ( أبشروا - آل عمار - فان موعدكم الجنة ) عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر ، فلم يتركوه حتى نال من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وذكر آلهتهم بخير ، فلما أتى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : ما وراءك ؟ قال : شر يا رسول الله ، والله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير ، قال : فكيف تجد قبلك ؟ قال : مطمئن بالإيمان ، قال فان عادوا فعد . وقد أجمع المفسرون على أن قوله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) نزلت في عمار بن ياسر . كان عمار بن ياسر قد هاجر إلى أرض الحبشة وصلى القبلتين ، وهو من المهاجرين الأولين ، ثم شهد بدرا والمشاهد كلها ، وأبلى ببدر بلاء حسنا ، ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضا ، ويومئذ قطعت أذنه ، يقول عبد الله بن عمر : رأيت عمار بن ياسر - يوم اليمامة - على صخرة وقد أشرف يصيح : يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون ؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إلي ، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب ، وهو يقاتل أشد القتال ، وكان فيما ذكر الواقدي - طويلا أشهل بعيد ما بين المنكبين ، وفى رواية إن عليا قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه ( أخرجه الترمذي وابن ماجة ، وسنده حسن ) . وعن حذيفة رفعه : إن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال ( اهتدوا بهدى عمار ) وأخرجه الترمذي وابن ماجة ، وقال الترمذي حسن : وتواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن عمارا تقتله الفئة الباغية . وأجمعوا على أنه قتل مع علي - عليه السلام - بصفين سنة سبع وثلاثين في ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة ، ودفن هناك . وعن ابن عباس في قول الله عز وجل : ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) قال : عمار بن ياسر ( كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) قال : أبو جهل بن هشام ، وعن عائشة قالت ما من أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أشاء أن أقول فيه إلا قلت ، إلا عمار بن ياسر فاني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : ( إن عمار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنيه إيمانا ) . ومن حديث خالد بن الوليد : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : ( من أبغض عمارا أبغضه الله تعالى ) قال خالد : فما زلت أحبه من يومئذ ، وروي من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : ( اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان وبلال ) ، ومن حديث علي - عليه السلام - قال : ( جاء عمار يستأذن على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوما فعرف صوته فقال : مرحبا بالطيب المطيب إئذنوا له ) وكان عمار أول من بنى مسجدا في الاسلام ، وهو مسجد قبا . وقد آخى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بينه وبين حذيفة بن اليمان قال مجاهد : أول من أظهر إسلامه سبعة ، فذكر فيهم عمارا وأمه سمية واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة وكتب إلى أهلها : ( أما بعد فاني قد بعثت إليكم عمارا أميرا وعبد الله بن مسعود وزيرا ومعلما وهما من نجباء أصحاب محمد فاقتدوا بهما ) ، ولما عزله عمر قال له : ( أساءك العزل قال : والله لقد سائتني الولاية وساءني العزل ) ثم إنه بعد ذلك صحب عليا - عليه السلام - وشهد معه الجمل وصفين فأبلى فيهما ، وذكر ابن سعد في ( الطبقات : ج 3 ص 262 ) طبع بيروت أنه ( قال علي - عليه السلام - حين قتل عمار ، إن امرءا من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر وتدخل به عليه المصيبة الموجعة لغير رشيد ، رحم الله عمارا يوم أسلم ، ورحم الله عمارا يوم قتل ، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا ، لقد رأيت عمارا وما يذكر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أربعة إلا كان رابعا ، ولا خمسة إلا كان خامسا ) وذكر ذلك أيضا ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمته ثم قال ابن سعد في الطبقات ( وما كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله - ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين ، فهنيئا لعمار بالجنة ، ولقد قيل إن عمارا مع الحق والحق معه ، يدور عمار مع الحق أينما دار ، وقاتل عمار في النار ) . وذكر ابن سعد أيضا ( عن ابن عابس قال : قال عمار : أدفنوني في ثيابي فاني مخاصم ، وعن عاصم بن ضمرة أن عليا صلى على عمار ولم يغسله ، وقيل لعمرو ابن العاص قد كان رسول الله يحبك ويستعملك ، قال قد كان والله يفعل ، فلا أدري أحب أم تألف يتألفني ، ولكني أشهد على رجلين توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يحبهما عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر . قالوا : فذاك والله قتيلكم يوم صفين قال : صدقتم والله لقد قتلناه ، وعن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار أنها وصفت لهم عمارا فقالت : كان رجلا آدم طوالا ، مضطربا ، أشهل العينين ، بعيد ما بين المنكبين ، وكان لا يغير شيبه ) قال ابن الجزري في أسد الغابة ، وابن عبد البر في الاستيعاب ، وغيرهما : إن مناقب عمار بن ياسر المروية كثيرة يطول ذكرها . هذه خلاصة ما ذكره أرباب المعاجم من أعاظم العامة ، وأما ما ذكره أرباب المعاجم من الشيعة فيطول الكلام بذكر ما أوردوه فيها ، وانظر منها ما ذكره السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة ( ص 255 - ص 283 ) طبع النجف الأشرف وما ذكره الكشي في رجاله ( ص 31 ) طبع النجف الأشرف ، وما ذكره الشيخ الطوسي في رجاله - في أصحاب علي ( عليه السلام ) حيث قال عنه إنه : رابع الأركان وفي أماليه : ص 89 طبع إيران سنة 1313 ه‍ . وغيرهم من أعاظم الطائفة المتقدمين والمتأخرين . وعمار بن ياسر أحد الاثني عشر من المهاجرين والأنصار الذين أنكروا على أبي بكر توليه للخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كما ذكره الطبرسي في الاحتجاج ( ص 43 ) طبع إيران سنة 1302 ه‍ ، وابن بابويه الصدوق في الخصال ( ج 2 ص 228 ) طبع إيران سنة 1377 ه‍ ، والبرقي في آخر كتاب رجاله بعنوان ( أسماء المنكرين على أبي بكر ) ( ص 63 ) طبع دانشكاه ( طهران ) سنة 1383 ه‍ والسيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة ( ص 394 ) طبع النجف الأشرف ، وذكر أيضا في أكثر كتب الاحتجاج والتواريخ الشيعية . قال الطبرسي في الاحتجاج ( . . . ثم قام عمار بن ياسر فقال يا معشر قريش ، ويا معاشر المسلمين إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا ، إن أهل بيت نبيكم أولى به ، وأحق بإرثه ، وأقوم بأمور الدين وآمن على المؤمنين ، وأحفظ لملته ، وأنصح لامته ، فمروا صاحبكم فليرد الحق إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم ، ويضعف أمركم ، ويظهر شتاتكم ، وتعظم الفتنة بكم ، وتختلفوا فيما بينكم ، ويطمع فيه عدوكم ، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الامر منكم ، وعلي أقرب منكم إلى نبيكم ، وهو من بينهم وليكم ، بعهد الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلها غير بابه ، وإيثاره إياه بكريمته فاطمة دون سائر من خطبها إليه منكم ، وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد الحكمة فليأتها من بابها ) وإنكم جميعا مضطرون فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه ، وهو مستغن عن كل أحد منكم ، إلى ماله من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه ، فما بالكم تحيدون عنه وتبتزون عليا حقه ، وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، بئس للظالمين بدلا ، أعطوه ما جعله له الله ، ولا تولوا عنه مدبرين ، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) . وذكر ابن حجر في ( تهذيب التهذيب : ج 7 ص 408 ) . أن عمارا ( روى عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وعن حذيفة بن اليمان ، وروى عنه ابنه محمد ، وابن ابنه سلمة بن محمد ( على خلاف فيه ) ، وابن عباس ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الله بن غنمة المزني ، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وأبو الطفيل ، وأبو لاس الخزاعي ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ، وأبو وائل ، وصلة بن زفر ، وعبد الرحمن بن أبزي ، وقيس بن عباد البصري ، وهمام بن الحارث وأبو مريم الأسدي ، ونعيم بن حنظلة ، ومحمد بن علي بن أبي طالب ، وناجية بن كعب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وآخرون ) .